ابن عطاء الله السكندري

9

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

والعمل المسموم يترك مع العلم بحلاوته لما فيه من وجود الأذى لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا حلوة خضرة ) « 1 » ويروى أيضا : ( جيفة قذرة ) « 2 » حلوة خضرة عند أهل الغفلة وجيفة قذرة عند العقلاء حلوة خضرة عند النفوس جيفة قذرة عند مراثي القلوب حلوة خضرة للتحذير وجيفة قذرة للتنفير ، فلا تخد عنكم بحلاوتها فإن عاقبتها مرة ، إذا قيل لك من المؤمن ؟ فقل الذي اطلع على عيب نفسه ولم ينسب أحدا من العباد إلى عيب ، وإذا قيل لك من المخذول ؟ فقل الذي ينسب العباد إلى العيب ويبرئ نفسه منه ، ومما تمادى عليه أهل الزمان مباسطتهم ومؤانستهم للعاصين لو أنهم عبسوا في وجوههم لكان ذلك زاجرا لهم عن المعصية . وفتح لك باب الكمال لما رجعت إلى الرذائل أرأيت من فتح له باب القصور هل يرجع إلى المزابل ، لو فتح لك باب الأنس بينك وبينه ما طلبت من تأنس به ولو اختارك لربوبيته ما قطعك عنه . لو كرمت عليه ما رماك لغيره ، إذا عزل عنك محبة مخلوق فافرح فهذا من عنايته بك ، ولا تكون معصية إلا والذل معها أفتعصيه ويعزك ؟ كلا فقد ربط العز مع الطاعة والذل مع المعصية فصار في طاعته نور وعز وكشف حجاب وضدها معصية ظلمة وذل وحجاب بينك وبينه ولكن ما منعك من الشهود إلى عدم وقوفك مع الحدود واشتغالك بهذا الوجود ، إذا عصى ولدك فأدبه بالشرع ولا تقطعه بل قابله بالعبوسة ليكف عن المعصية ، وأكثر ما يدخل على المؤمن الدخل إذا كان عاصيا فإما أن يفضحوه وإما أن يستهزئوا به فإذا فعلوا ذلك فقد أخطئوا الطريق إذا عصى المؤمن فقد وقع في ورطة عظيمة وطريقه أن تفعل معه كما فعلت مع ولدك عند عصيانه تعرض عنه في الظاهر وتكون له راجما في الباطن وتطلب له الدعاء بالغيب ، كفى بك جهلا أن تحسد أهل الدنيا على ما أعطوا وتشغل قلبك بما عندهم فتكون أجهل منهم لأنهم اشتغلوا بما أعطوا واشتغلت أنت بما لم تعط ترمد عينك فتعالجها وما سبب ذلك إلا أنك ذقت بها لذة الدنيا فتعالجها حتى لا يفوتك النظر إلى مستحسناتها وترمد بصيرتك أربعين سنة فلا تعالجها . واعلم أن عمرا ضيع أوّله جرى أن تحفظ آخره كامرأة كان لها عشرة أولاد مات منهم تسعة وبقي واحد أليست ترد وجدها على ذلك الواحد ، وأنت قد ضيعت أكثر عمرك فاحفظ بقيته وهي صبابة يسيرة واللّه ما عمرك من أوّل يوم ولدت بل عمرك من أول يوم عرفت اللّه تعالى . شتان بين أهل

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2098 ) ، والترمذي ( 4 / 483 ) ، وأحمد في المسند ( 5 / 342 ) ، ( 6 / 410 ) . ( 2 ) أورد العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 31 ) بنحوه ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 294 ) .